القرطبي

345

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لا يسمعون ) قيل : في الكلام حذف ، والمعنى وهم فيها لا يسمعون شيئا ، لأنهم يحشرون صما ، كما قال الله تعالى : " ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما " ( 1 ) [ الاسراء : 97 ] . وفي سماع الأشياء روح وأنس ، فمنع الله الكفار ذلك في النار . وقيل : لا يسمعون ما يسرهم ، بل يسمعون صوت من يتولى تعذيبهم من الزبانية . وقيل : إذا قيل لهم " اخسئوا فيها ولا تكلمون " ( 2 ) [ المؤمنون : 108 ] يصيرون حينئذ صما بكما ، كما قال ابن مسعود : إذا بقي من يخلد في النار في جهنم جعلوا في توابيت من نار ، ثم جعلت التوابيت في توابيت أخرى فيها مسامير من نار ، فلا يسمعون شيئا ، ولا يرى أحد منهم أن في النار من يعذب غيره . قوله تعالى : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ( 101 ) لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون ( 102 ) لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ( 103 ) قوله تعالى : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) أي الجنة ( أولئك عنها ) أي عن النار ( مبعدون ) فمعنى الكلام الاستثناء ، ولهذا قال بعض أهل العلم : " إن " هاهنا بمعنى " إلا " وليس في القرآن غيره . وقال محمد بن حاطب : سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقرأ هذه الآية على المنبر " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى " فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن عثمان منهم ) . قوله تعالى : ( لا يسمعون حسيسها ) أي حس النار وحركة لهبها . والحسيس والحس الحركة . وروى ابن جريج عن عطاء قال قال أبو راشد الحروري لابن عباس : " لا يسمعون حسيسها " فقال ابن عباس : أمجنون أنت ؟ فأين قوله تعالى : " وإن منكم إلا واردها " ( 3 ) وقوله تعالى : " فأوردهم النار " ( 4 ) [ هود : 98 ] وقوله : " إلى جهنم وردا " ( 3 ) [ مريم : 86 ] . ولقد كان من دعاء من مضى : اللهم أخرجني من النار سالما ، وأدخلني الجنة فائزا . وقال أبو عثمان النهدي :

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 333 . ( 2 ) راجع ج 12 ص 153 . ( 3 ) راجع ص 135 . وص 152 ص 149 من هذا الجزء . ( 4 ) راجع ج 9 ص 93 فما بعد .